ابن حجر العسقلاني
31
تلخيص الحبير ( ط العلمية )
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
--> = فدل على أنه لا حق لهما فيما طلبتاه من النفقة في حال الإعسار ، وإذا كان طلبهما لها باطلاً ؛ فكيف تمكن المرأة من فسخ النكاح بعدم ما ليس لها طلبه ، ولا يحل لها ؟ . [ وأورد عليه أولاً ] : أن الحديث ليس في محل النزاع أصلاً ، فإن أزواج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يعدمن النفقة بالكلية ؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قد استعاذ من الفقر المدقع . فالظاهر بل الحق الذي لا ينبغي النزاع فيه أن ذلك فيما زاد على ما به قوام البدن ، مما يعتاد الناس النزاع في مثله . ثانياً : أنه لو سلم أن الحديث في الإعسار بالنفقة ، فزجرهما عن المطالبة بما ليس عنده ، لا يدل على امتناع المطالبة بالفسخ ؛ لأجل الإعسار ، فإن المطالبة بما ليس عنده تكليف بما لا يطاق بخلاف المطالبة بالفسخ ، فإنها مطالبة بما يرفع الضرر ، ولم يرد أنهن طلبن الفسخ ، ولم يجبن إليه ، كيف وقد خيرهن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد ذلك ، فاخترنه . [ ب ] إن الصحابة لم يزل فيهم المعسر والموسر ، وكان معسروهم أضعاف موسريهم ، فما مكن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امرأة قط من الفسخ بإعسار زوجها ، ولا أعلمها أن الفسخ حق لها ، ولو كان من المستقر في الشرع أن المرأة تملك الفسخ بإعسار زوجها ؛ لرفع إليه ذلك ، ولو من امرأة واحدة فإنهن قد رفعن إليه وأنذر فيما هو دون ذلك ، شكاتهن منه ، كما في حديث امرأة رفاعة . [ وأورد عليه ] أن كثرة المعسرين في الصحابة لا تدل على أن فيهم من كان عجز عن الإنفاق على زوجته ، وتضررت بعجزه ، فعلى المستدل أن يثبت أن من الصحابة من عجز عن الإنفاق ثم طالبت امرأته بالفراق ، فلم يمكنها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ذلك ، ودون إثبات هذا فرط القتاد . وأما المعقول ، فوجوه : 1 - أن المقرر شرعاً ارتكاب أخف الضررين ، إذا لم يكن مناص من ارتكاب أحدهما ، واجب . ولا شك أن في إلزام الفرقة إبطال حق الزوج بالكلية ، وفي إلزام الإنظار عليها ، والاستدانة عليه تأخير حقها ، وتأخير الحق أهون شأناً من الإبطال ، فوجب المصير إليه ؛ عملاً بذلك الأصل . [ أقول : ] يمكن أن يعارض بأن في إلزام الفرقة فوات حق يمكن الصبر عنه ، وهو حق الزوج في حبس الزوجة ، وفي إلزام الإنظار تأخير حق لا يمكن الصبر عنه ، وهو حق الزوجة في القوت ونحوه ، فوجب المصير إلى ما يمكن الصبر عنه ، وهو الإلزام بالفراقة ، إذا طلبتها الزوجة لرفع ضررها . على أن تأخير الحق إنما يكون أهون من إبطاله لو كان أخف ضرراً منه ، أما وهو أشد ضرراً فلا . [ ب ] إن المال غاد ورائح ، وقد جعل الله الفقر والغنى مطية للعباد ، فيفتقر الرجل الوقت ، ويستغنى الوقت ، فلو كان كل من افتقر فسخت عليه امرأته لعم البلاء وتفاقم الشر ، وفسخت أنكحة أكثر العالم ، وكان الفراق بيد أكثر النساء فمن ذا الذي لم تصبه عسرة ، ويعوز النفقة أحياناً ؟ . [ ويمكن أن يرد عليه ] : أن المعسرين بنفقة أزواجهم قليلون ، والممسكون أزواجهم مع هذا الإعسار أقل ، والنساء المطالبات بحق الفسخ مع هذا الإمساك أقل وأقل ، فلا يلزم من إثبات هذا الحق تفاقم الشر ، ولا كثرة البلاء . [ ج ] أنه تعذر من المرأة الاستمتاع بمرض متطاول ، وأعسرت بالجماع لم يمكن الزوج من فسخ النكاح ، بل تجب عليه النفقة كاملة ، فكيف تمكن هي من الفسخ بإعساره عن النفقة التي غايتها أن تكون عوضاً عن الاستمتاع ؟ . =